السيد هاشم البحراني

107

البرهان في تفسير القرآن

5096 / [ 19 ] - وعنه ، قال : حدثني أبي ، عن صفوان ، عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) قال : « لما أراد الله عز وجل هلاك قوم نوح عقم أرحام النساء أربعين سنة ، فلم يولد فيهم مولود ، فلما فرغ نوح من اتخاذ السفينة أمره الله أن ينادي بالسريانية فلا تبقى بهيمة ولا حيوان إلا حضر ، فأدخل من كل جنس من أجناس الحيوان زوجين في السفينة ، وكان الذين آمنوا به من جميع الدنيا ثمانين رجلا . فقال الله عز وجل : * ( احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْه الْقَوْلُ ومَنْ آمَنَ وما آمَنَ مَعَه إِلَّا قَلِيلٌ ) * وكان نجر السفينة في مسجد الكوفة ، فلما كان في اليوم الذي أراد الله إهلاكهم ، كانت امرأة نوح تخبز في الموضع الذي يعرف ب ( فار التنور ) في مسجد الكوفة ، وقد كان نوح اتخذ لكل ضرب من أجناس الحيوان موضعا في السفينة ، وجمع لهم فيها جميع ما يحتاجون من الغذاء ، فصاحت امرأته لما فار التنور ، فجاء نوح إلى التنور فوضع عليه طينا وختمه ، حتى أدخل جميع الحيوان السفينة . ثم جاء إلى التنور ففض الخاتم ورفع الطين ، وانكسفت الشمس ، وجاء من السماء ماء منهمر ، صب بلا قطر ، وتفجرت الأرض عيونا ، وهو قوله عز وجل : فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ وفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وحَمَلْناه عَلى ذاتِ أَلْواحٍ ودُسُرٍ ) * « 1 » وقال الله عز وجل : * ( ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّه مَجْراها ومُرْساها ) * يقول : مجراها : أي مسيرها ، ومرساها : أي موقفها . فدارت السفينة ، ونظر نوح إلى ابنه يقع ويقوم ، فقال له : * ( يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا ولا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ ) * فقال ابنه ، كما حكى الله عز وجل : * ( سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ ) * فقال نوح : * ( لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّه إِلَّا مَنْ رَحِمَ ) * ثم قال نوح : * ( رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ ) * فقال الله : * ( يا نُوحُ إِنَّه لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّه عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِه عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ) * فقال نوح ، كما حكى الله : * ( رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِه عِلْمٌ وإِلَّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ ) * فكان كما حكى الله : * ( وحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ) * » . فقال : أبو عبد الله ( عليه السلام ) : « فدارت السفينة ، فضربها الموج حتى وافت مكة وطافت بالبيت ، وغرق جميع الدنيا إلا موضع البيت وإنما سمي البيت العتيق لأنه أعتق من الغرق ، فبقي الماء ينصب من السماء أربعين صباحا ، ومن الأرض عيونا ، حتى ارتفعت السفينة ، فسحت « 2 » السماء - قال - فرفع نوح ( عليه السلام ) يده ، فقال : يا دهمان ، أيقن . وتفسيرها يا رب احبس « 3 » . فأمر الله الأرض أن تبلغ ماءها ، وهو قوله : * ( وقِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أَقْلِعِي ) * أي أمسكي * ( وغِيضَ الْماءُ وقُضِيَ الأَمْرُ واسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ ) * فبلعت الأرض ماءها ، فأراد ماء السماء أن يدخل في الأرض ، فامتنعت الأرض عن قبوله ، وقالت : إنما أمرني الله عز وجل أن أبلع مائي ، فبقي ماء

--> 19 - تفسير القمّي 1 : 326 . ( 1 ) القمر 54 : 11 - 13 . ( 2 ) سحّ الماء : صبّ ، وسال من فوق . « الصحاح - سحح - 1 : 373 » . ( 3 ) في المصدر : يا رهمان اخفرس ( أتغرك ) تفسيرها ربّ أحسن .